يُعتبر التضخم أحد أكثر المؤشرات الأساسية تأثيرًا في أي اقتصاد، لذلك يحتاج المتداولون إلى فهم تأثيره على قيمة العملات وكيف يمكنهم استخدامه عند بناء توقعات السوق.
حتى بعض المتداولين ذوي الخبرة يفترضون أنهم لا يحتاجون إلى متابعة بيانات التضخم لأنهم يركزون على السكالبينج وينفذون صفقات قصيرة الأجل اعتمادًا على حركة السعر فقط. لكن الواقع مختلف؛ إذ يجب على المتداول أن يبقى على اطلاع دائم ليس فقط على أرقام التضخم، بل أيضًا على الإصدارات الرئيسية الأخرى في التقويم الاقتصادي. بالإضافة إلى ذلك، قد تؤثر الأخبار القوية التي يتجاهلها السوق أو يقلل من أهميتها سلبًا في نتائج التداول، حتى خلال الفترات الزمنية القصيرة جدًا.


يعكس التضخم التغيرات في أسعار السلع والخدمات داخل الدولة، ولذلك يرتبط ارتباطًا قويًا بقيمة العملة الوطنية وتحركات أسعارها.
عادةً ما يحلل الاقتصاديون التضخم على مستوى المستهلك والمنتِج، كما يدرسون المؤشرات المرتبطة بالعقارات. ويُعد مؤشر أسعار المستهلك (CPI) المقياس الأكثر متابعة، كما تصدره الجهات المختصة غالبًا بشكل شهري، وأحيانًا بشكل ربع سنوي. إضافةً إلى ذلك، يقيس هذا المؤشر التغيرات في أسعار سلة محددة من السلع والخدمات، وتنشره المؤسسات الرسمية ضمن التقويم الاقتصادي. ومن بين مؤشرات التضخم، يحتل مؤشر أسعار المستهلك المرتبة الأولى من حيث التأثير، بينما تؤثر بيانات مستوى المنتج مثل مؤشر أسعار المنتجين (PPI) بدرجة أقل في أسعار الصرف، ولذلك يتعامل المتداولون معها غالبًا كمؤشر ثانوي في ظروف السوق الطبيعية.


غالبًا ما ينظر المحللون إلى مؤشر أسعار المنتجين على أنه إشارة مبكرة للتضخم. فعندما ترتفع تكاليف الإنتاج، تنتقل هذه الزيادات تدريجيًا إلى أسعار المستهلكين مع مرور الوقت، وبالتالي ترتفع تكلفة السلع والخدمات.
المنطق هنا بسيط. فعندما يرتفع التضخم، قد يشير ذلك إلى أن الاقتصاد يسخن أكثر من اللازم، ولذلك تبدأ البنوك المركزية في التفكير في رفع أسعار الفائدة. وحتى توقع السوق لزيادات مستقبلية في أسعار الفائدة قد يدعم العملة الوطنية. في المقابل، يؤدي تباطؤ التضخم غالبًا إلى سياسة نقدية أكثر تيسيرًا، وهذا ما يضع ضغطًا هبوطيًا على أسعار الصرف.


تُعد أسعار الفائدة أداة رئيسية تستخدمها البنوك المركزية لتوجيه السياسة النقدية داخل الدولة، كما تؤثر مباشرةً في جاذبية الاقتراض أو تكلفته بالنسبة للشركات والمستهلكين.
ومن المهم أيضًا أن نتذكر أن التضخم يمثل أحد أبرز الأسباب التي تدفع البنوك المركزية إلى تعديل أسعار الفائدة، سواء رفعتها لتهدئة النشاط الاقتصادي أو خفضتها لتحفيز النمو.


في الاقتصادات المتقدمة، يعتبر صناع السياسة النقدية أن معدل التضخم القريب من 2٪ أو الأقل قليلًا مستوى صحيًا بشكل عام، بينما تستهدف الدول النامية عادةً مستوى أقرب إلى 4٪. وبناءً على ذلك، تستخدم البنوك المركزية هذه المعايير عند رسم السياسة النقدية على المدى المتوسط.
عندما يرتفع التضخم بسرعة أو تشير التوقعات إلى استمرار صعوده، تستجيب البنوك المركزية غالبًا برفع أسعار الفائدة. ونتيجةً لذلك، يصف المحللون هذا النهج بأنه تشديد للسياسة النقدية، كما يصفون الخطاب الرسمي في هذه الحالة بأنه يميل إلى التشدد (Hawkish).
أحيانًا يواجه البنك المركزي حالة استثنائية يرتفع فيها التضخم بشكل حاد بينما تضعف الأوضاع الاقتصادية في الوقت نفسه. في هذه الحالة، قد يختار البنك المركزي تجاهل الزيادات قصيرة الأجل في الأسعار بدلًا من الاستجابة الفورية لها.
وعندما ينخفض التضخم، تزداد احتمالية خفض أسعار الفائدة مستقبلًا. لذلك، يشير المحللون إلى هذا التوجه على أنه تيسير في السياسة النقدية، كما يصفون تصريحات البنوك المركزية في هذه الحالة بأنها تميل إلى التيسير (Dovish).


يراقب المتداولون عن كثب تغير التضخم مقارنةً بالفترة السابقة، كما يقارنون قراءته الحالية بالقراءة السنوية.
وبمجرد صدور بيانات التضخم، يقيم المشاركون في السوق فورًا مدى اختلاف الأرقام الفعلية عن التوقعات. وبعد ذلك، يبنون قراراتهم على حجم المفاجأة واتجاهها.


يعتمد التداول بدرجة كبيرة على التوقعات، لذلك يحاول المشاركون في السوق استباق التغيرات المحتملة في أسعار الفائدة بالاعتماد على معدلات التضخم.
وفي الوقت نفسه، يجب على المتداولين متابعة العلاقة بين التضخم وأسعار النفط عن كثب، لأن تغير أسعار الطاقة قد يؤثر مباشرةً في توقعات التضخم المستقبلية.
اتخذت الحكومات والبنوك المركزية هذه الإجراءات حتى تمنع أكبر اقتصادات العالم من الانزلاق إلى حالة من الانكماش.
وعندما تستمر الأسعار في الانخفاض لفترة طويلة، قد يتراجع تدفق الأموال داخل الاقتصاد، كما تتعرض الميزانيات الوطنية لضغوط متزايدة. لذلك، ينظر صناع القرار إلى الانكماش باعتباره خطرًا اقتصاديًا حقيقيًا.
تتمثل إحدى الطرق الشائعة في خفض أسعار الفائدة. فعندما تقل تكلفة الاقتراض، تشجع البنوك المركزية الشركات والأفراد على زيادة الإنفاق.
أما الأداة الرئيسية الأخرى فهي التيسير الكمي، حيث تشتري البنوك المركزية السندات وتضخ السيولة في الاقتصاد. وبهذه الطريقة، تحاول دعم النشاط الاقتصادي وتحسين ظروف التمويل.


أثبتت هذه الإجراءات فعاليتها، ولذلك تمكن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من العودة إلى توقعات رفع أسعار الفائدة.
وبالمثل، بدأ التضخم في الاتحاد الأوروبي بالتعافي، مما ساعد اليورو على اكتساب قوة إضافية أمام العملات الأخرى.


يلعب تفسير مؤشر أسعار المستهلك دورًا رئيسيًا في سوق الصرف الأجنبي.
علاوةً على ذلك، يستبعد مؤشر أسعار المستهلك الأساسي المكونات المتقلبة، ولذلك تعتمد عليه البنوك المركزية الكبرى بوصفه المقياس الرئيسي للتضخم.